Tuesday, June 5, 2007

نور..وأنا...وابو النور

قصة واقعية
أو هذيان حلم مع شروق الشمس
***
نور

فتاة مصرية بسيطة...ولدت لأسرة متوسطة الحال..فالأب مهندس يعمل بأحدى مصانع الأنتاج الحربى الحكومية
والأم ربة منزل...متعلمة...تزوجت ابن عمها...بعد قصة حب بسيطة ..نشأت وتطورت بين بيتها وبيت عمها فى احدى قرى محافظة القليوبية....وبعد الزواج ارتحلت الأسرة بالمولودة الجديدة الى القاهرة..بحثاً عن مستوى معشية افضل...او هرباً من عداء اسرتين لزواج غير مرغوباً فيه

وهناك شبت نور...كانت منذ الصغر تتمتع بجمال ملحوظ...ارجعته الام الى جدتة زوجها التى كانت تسمع عن جمالها حتى تركت قريتها..التحقت نور بالمدرسة...وبدأت تحبوا بخطوات بسيطة فى حياتها الجديدة

صار الحال بتلك الاسرة كما كان متوقعا...غير ان الأب ضاق من تعسف مدرائه به..ذلك التعسف الذى جعله يفكر بالسفر الى احدى دول الخليج...كما كان معتادا فى تلك الحقبة....وفجأة...اتته زيارة من صديق قديم...لتغير كل تلك الترتيبات
فقد كان عادل..صديق طفولته قد هاجر الى كندا منذ اكثر من عشرة اعوام...ولم يسمع عنه الكثير خلال تلك الفترة

وحين عاد عادل الى قريتهم...سأل عن صديق طفولته...واستطاع الحصول على عنوانه الجديد فى احدى ضواحى القاهرة...واستغل فرصة وجوده فى القاهرة ليطلع زوجته الكندية وبناته الثلاث..على معالم مصر..فى ان يقوم بتلك الزيارة السريعة للصديق القديم

وبعد تبادل السلامات والذكريات القديمة...اخذ الكلام منحنى اخر عن رغبة الأب فى العمل فى الخليج...مما دفع صديقه القديم ان يقدم له حلاً اخر..فكندا مكاناً جديداً...مازال يفتح باب الهجرة امام العمالة الجيدة..وكمهندس ميكانيكا سيستطيع ببساطة ان يجد طريقه هناك

وقد كان

***
انا


نشأت فى نفس تلك القرية...فى محافظة القليوبية...لأسرة متوسطة وعائلة كبيرة
تعلمت منذ الصغر ان ادقق فى اصول الناس...فقد كان الحال قد وصل بعائلتنا الى ان اصبحت مكروهة الى حد ما وسط قريتنا ووسط المركز بأكمله...فنظراً لأحتفاظ العائلة بمقعد فى مجلس الشعب لمدة تزيد عن الثلاثين عام..حتى صار امراً مسلماً به فى عالمنا البسيط
ونظراً لعدم وجود اى تغيير خلال تلك الاعوام الكثيرة...غير زيادة عدد اصحاب المناصب فى العائلة
فصار منهم لواءات الجيش والشرطة...والقضاة ووكلاء النيابة...وسفيرا يتيماً فتح لنا طريق السلك الدبلوماسى
اما عن الأطباء والصيادلة..فحدث ولا حرج..وهكذا فيوما عن يوم يزيد نفوذ العائلة الكبيرة ويزيد كره العائلات البسيطة لها لما وجدوه من الزام لهم على مناصرتنا فى ايام الانتخابات كل خمسة اعوام...وما يليه ذلك من تجاهل الى كل مطالبهم بعد ذلك

تعلمت بداية فى مدرسة القرية...وفوجئت بما اخبرتكم به من روح غريبة كنت اصتدم بها حال يذكر اسمى مرفقا بإسم العائلة الكريمة
ورغم ذلك استطعت ان اكون صداقات بريئة جمعت بينى وبين ابسط اطفال المدرسة...فبسهولة استطعت ان كسب هؤلاء البسطاء..رغم انى كنت استدرج الى نزاعات اجبارية حين يحاول احدهم ان يهين اسم عائلتى امامى..والغريب ان اصدقائى البسطاء والذين لم يكمل معظمهم تعليمهم بعد ذلك...كان يقفوا بجوارى

وهكذا..وفى تلك الأجواء....عرفت ابوالنور

***
ابو النور

كان ابو النور من ابناء نفس القرية...تعرفت به فى المرحلة الأبتدائية...واذكر فيما اذكر ان العلاقة توطدت جدا حتى صرت اذهب الى بيته ويأتينى...كان طفلا غامضا بالنسبة لى..وطالما احسست انه يعانى معناة خفية داخل بيته..حتى التقت من بين كلامته الكثيرة فى احدى جلاستنا ان والده يضربه بسلك من سلوك الكهرباء السميكة...واذكر كم استغربت لذلك حتى انى فى بساطة الأطفال سالته ولما يفعل ذلك...فأجاب بتلقائية...عشان اتربى

كان على ذلك قوى الشخصية...عنيد الى ابعد الحدود...وحين يأخذه الحديث عن المستقبل...كان ارى فى عينيه بريق غريب ..لازلت اذكره حتى الأن.....وهو يتحدث عن احلامه فى المستقبل..وكيف سيكون زو سان عظيم ...وكان اعلمنا بشئون البنات..ففى تلك السن الصغيرة...وحين يكون كل شيىء مبهم عن ذلك العالم...فكان من يفسر لنا اى سؤال اختلفنا عليه ..هو ابو النور...فكثيراً ما استشرته ..فكان دائما يبتسم بثقة العالم ببواطن الأمور..وتلمع عيناه..ويجيبك فى استفاضه

صار بنا الحال من مدرستنا الأبتدائية الى الاعدادية..وكانت المدرستين داخل قريتنا ..التى كانت فى الواقع كبيرة من حيث عدد السكان..ومن حيث امكانيات التعليم مقارنة بالقرى الاخرى...ولم نكن لنجبر ان نرتحل من تلك القرية إلا فى المرحلة الثانوية...فكن لزما علينا ان نذهب الى المركز...المجاور لنا..وهو يعتبر المدينة الرئيسية ...للألتحاق بالمدرسة الثانوية هناك

وهنا سقط ابو النور من ذاكرتى...فقد اصاب مجموعا اقل من ان يؤهله الى المرحلة الثانوية العامة...فالتحق بأحدى المدارس الفنية
وكعادتى كلما فقدت صديقاً...فمنهم من ترك التعليم..ومنهم من اتخذ مسارا غيرى كأبو النور...كنت امضى فى حياتى..مستعينا بأصدقائى الدائمين من ابناء عائلتى ...والذين كانوا لا يسقطون ابدا..وكأن البسطاء كانوا ولا زالوا...بسطاء بغير ارادتهم

***
نور

سعى الأب جاهدا ليحقق حلم الأسرة البسيطة بالهجرة الى كندا..او فلنقل حلم زوجته..والتى تعلقت به منذ ان غادر عادل بيتهم فى احدى ليالى الصبف الهادئة...وربما وجدت فى الهجرة انتصارا لها على اهل زوجها الذين كانوا ولا زالوا رافضين لزواجه منها...فهاهى ابنة الأم الفلاحة البسيطة والأب المزارع تتدفع بأبن عمها الباشمهندس الى كندا...كانت تحلم بنفسها وقد ارتدت مثل زوجة عادل الكندية ...جيب قصيرة...يعلوها قميص مفتوح اعلاه...كاشفاً عن جزأ صغير من الصدر...ربما رأت فيه تمرد على روح القرية...وتقاليد اهل القرية..وذكريات غيط القمح

كانت لازالت تشعر بملمس الأرض الخشنة من تحتها وهى نائمة...لتذكرها بعدد اليالى التى قضتها وهى طفلة صغيرة نائمة وسط القش والقمح فى ليالى الحصاد...ووسط حسدى ابيها وامها الرقدين بجوارها..كانت تحلم بالعروسة الجديدة التى رائتها فى يد ابنة عمها..واخت زوجها حاليا

كان عقلها الصغير يعجز ان بجد مبرر للحياة التى كانت تحياها...وللفرق بين دارهم البسيطة..وبيت عمها موجه التعليم..كانت كثيرا ما تسأل ابيها فى طريق العودة من سهرة معتادة فى بيت عمها...لماذا لم يصبح هو الاخر موجه تعليم مثل عمها...وما كانت تجد ردا غير قهقهة ابيها وامها التى تحملها...وهو يقول لها...البت طالعة بتفهم زى ابوها
وحين كبرت شيئاً بسيطا...سمعت عن قصة كفاح عمها...الذى كان يدرس وفى نفس الوقت يعمل ليل نهار فى ارض والده بجوار ابيها...الذى ادار ظهره للتعليم سريعاً

وبعد ان اكمل عمها تعليمه...بدأ يبحث عن زوجة..حتى وجد ضالته فى ابنة رئيس المنطقة التعليمية..والتى كانت امها تركية الأصل..وكانت هى رائعة الجمال...وحتى يظفر بهذا النسب وجب عليه ان يدفع مهرا كبيرا..ويبنى بيتا مستقلا له..يليق بزوجته...ونسب زوجته
فطلب من اخيه ان يشترى منه نصف نصيبه من الارض...فما كان من اخيه الا ان حاول ان يرده عن ذلك...محاوله انهارت على صخرة تصميم الاخ الكبر....فكان له ما اراد
ومنذ ان حصل على شهادته..كمدرس فى المدرسة الأبتدائية بالقرية...صار من غير الائق ان يعمل بالفأس...مما دفع ابوها الى ان يعرض تحمل الارض وحده...ولما كان ابوها لم يرزق بغيرها...على الرغم من محاولاته العديدة هو وزوجته...وعلى الرغم من زيارته المتعددة الى اطباء المركز...الامر الذى كاد ان يدفع به الى طريق المشعوذين والدجالين لولا اخيه المتعلم..الذى نصحه ان يعلم ابنته بدلا من السعى خلف حلم... ربما لم يكنبه الله له

ومن كثرة العمل فى الأرض....وتزايد مساحتها بعد ان باع العم ما بقى من ارضه فى رحلة تعليم اولاده الثلاثة...ورغبة الأب فى عدم ضياع ارض ابيه ...فكن هو الشارى لها....أصبحت مرغمة ان تعيد ما بدائه عمها
فجمعت بين العمل ..والدراسة..حتى التحقت بالتوجهية...فرفع عنها ابوها كاهل الأرض...وبدأ يمنى نفسه بزوج يفخر به امام اخيه...فكان ابن اخيه نفسه

***

ومنذ ان اتت ذات الاصل التركى...لتتربع على عرش بيتها الجديد..وهى تحمل كرها وبغضا نحو الاخ البسيط...والذى يحمل بين جنبات وجهه ملامح الفلاح التى تمنت ان تقتلها فى وجه زوجها...كانت تحب زوجها ولكنها كانت تكره اصوله الريفية...وكثيرا ما بحثت فى داخلها عن الدوافع الحقيقة وراء زواجها منه...ربما كان احسن من طلب يديها...واغناهم..فبحكم عمل ابيها وسط هيكل التدريس الحكومى لم يكن هنالك من طالب زواج غير هؤلاء المدرسين البسطاء الذين جمعوا ما يملكون من حطام الدنيا ليضعوه فى مشروع الزواج المرغوب

وبعد الزواج..كانت تعرف ما ينتظرها....من معناة وحرمان...فأبوها والذى يشغل منصب رئيس منطقة تعليمية كان لا يملك من الدنيا غير راتبه...وزوجتة التركية...التى تحدث الناس كثيرا بجمالها...ذلك الجمال الذى لم ترث منه هى غير النصف..كان كفيلا بأن يضعها فى اعلى المراتب بين بنات المركز بأكمله....ربما كل ذلك..وربما الحب فقط الذى احسته نحوه حين جلست له فى المرة الأولى هو ما دفعها للموافقة المشروطة...ببيت جديد..ومهرا تعلم هى قبل ابيها...انه ليريح الأسرة من المعناة الشهرية..مع المرتب الذى يتطاير بين افواه اخواتها الذكور الخمسة

ولانها رات فى عينيه ذلك البريق ...ادركت انه سيوافق...وسينفذ ما طلب منه
***
وشبت الصغيرة...بين ارض ابيها...وبيت عمها الكبير....تدرس وتعمل مثل عمها...الذى كان يحبها مثل ابناءه...ولمظهرها البسيط ودرجاتها العالية...والتى زادت عن ابناء عمها...ذوى الأصل التركى....كرهتها زوجة عمها..ونقلت هذا الكره الى بناتها الأثنتين...فى حين فشلت فى ذلك مع ابنها الوحيد..والذى على عكس رغبة امه...تعلق بها كثيراً

وفى السنة الاولى من حياتها الجامعية...استطاعت ان تقنع الأب ببناء دار جديد..وكأنها تستعد لوصول ابن عمها طالبا يديها...وفى محاولة يائسة حاولت ان تقنع ابيها ان يتخلى عن زرع الأرض بنفسه..وان يستعيض عن ذلك بمأجورين...فرفض الأب واكتفى ببناء الدار الجديدة والتى حملت رغم تتطورها عن الدار القديمة نفس ملامحها..وكأن القدر يرفض ان يرفع عن ابيها صفة الفلاح

وقبل نهاية الدار الجديدة...رحلت امها عن الدنيا...بهدوء..كما عاشت بهدوء...فبكتها كثيرا...وعزف ابيها عن كل شيىء..حتى الأرض...بات من المعتاد ان يتولى امرها مأجورون....فى حين فقدت الدار الجديدة بهجتها...وكأن الدار القديمة رفضت ان تموت دون ان تسحب خلفها ذكرى ورائحة الام.....وهكذا...مرت الأيام دون ان يلمس احد الدار القديمة...حتى بعد مرور عدة اعوام..على الانتقال الى البيت الجديد...بقيت الدار القديمة بجوارها...كهيكل مقدس او معبد قديم

تعلق الأبن بأنة عمه..تعلق انتهى كما اوردنا بزواج غير مرغوب من العائلتين...فالعم الذى احب ابنة اخيه رفض ان يصل هذا الحب الى الزواج من ابنه الوحيد..خريج كلية الهندسة والذى كان يخطط له الزواج من ابنه احد اكابر التعليم مثل حاله...وامه رفضت رفضا متوقعا...وعلى الناحية الاخرى فوجىء الأب برفض اخيه فثار ورفض هو ايضا...وبعد معارك هنا وهناك...تزوج العروسين..وبعد اول مولود لهم انتقلوا الى القاهرة

وكانت لهم عادة...ان يزور القرية كل شهر او بضع شهر...ليبيت كلا منهم منفصلين فى بيت ابيه فكانت هى تستغل تلك الأيام فى مراعاة شئون ابيها الذى بدأ على غير العادة يهتم بنفسه اكثر من المعتاد...فترك الثياب البسيطة التى كانت تحمل ملامح امها..واثار غيط القمح..وليالى البيات وسط الأرض..و عهد الى احد ترزى المركز ان يفصل له انظف واجود انواع القماش فصار مثل العمدة..من حيث الوجاهة

وفى احدى تلك الزيارات الخاطفة صارحها برغبته فى الزواج ...وبعد بكاء منها...ونقاش ومبررات منه
عرفت انه راغب فى الزواج الجديد رغبة لن يتركها
وبالفعل لم يمضى اكثر من عام على هذا الحوار حتى اتت العروس الى دارها الجديدة..تلك التى لم يكتب لأمها ان تبيت ليلة واحدة فيها...وفى نفس الوقت..كانت هى وزوجها يسرعان من خطوات السفر الى كندا....حلم زاد من قوته زواج ابيها الاخير...ووصول توأم له...من الذكور..علمت بمقدمهم ان ارض ابيها قد صارت ابعد عنها بعد الأرض عن السماء

***

يتبع.............؟